بيان باستشهاد قائد الثورة الإسلامية الإيرانية سماحة آية الله السيد علي الحسيني الخامنئي (رضوان الله عليه) الجعفريّ باستشهاد السيد حسن نصر الله: كانت مواجهتك حسينية بامتياز كما هي مسيرة القادة الأبطال على مر التاريخ: عزم على تحقيق الأهداف، وصدق في طلب الشهادة، وإصرار على العهد، وتحشيد للمواجهة.. الجعفري: لابد من وقفة واعية ومسؤولة لتقييم التظاهرات المستمرة لأكثر من مائة يوم التي لم تسجل أيَّ سابقة مثيلة لها.. تقادم الزمن لا يسقط الحقوق ولا يعذر الجناة ممّا يستدعي تحديدا دقيقا في معرفتهم ومساءلتهم والابتعاد عن التوصيفات الغامضة كمصطلح الطرف الثالث الجعفريّ: جرائم الاغتيال والقتل والتمثيل بجُثث الموتى انتهاك سافر لحُقوق الإنسان وهو جرس إنذار بتهديد السلم المُجتمَعي وزرع الفتنة ونشر الفوضى في وقت يجب أن يتحمَّل الجميع مسؤوليته الوطنية عبر التعاون على حفظ وحدة الصفِّ الوطني وعدم زعزعة الأمن والاستقرار الجعفريّ: يجب مُحاسَبة كلّ من تورَّط في إراقة دماء أبنائنا المُتظاهِرين والقوات الأمنيّة وإنزال القصاص العادل بحقهم.. الردّ العراقيّ الوطنيّ المُوحَّد هو الذي جعل الهمَّ العراقيَّ فوق كلِّ الهُمُوم وإنسانه فوق كلِّ اعتبار وساهم في تجنب المزيد من الأزمات الجعفريّ: التظاهرات تعبيرٌ عن المُطالَبة عن كلِّ حقّ مهدور وكرامة مُنتهَكة ومال مسروق وسياسة فاسدة وتدخّل أجنبيّ فاحش!!.. يجب منع استخدام السلاح ضدّ المُتظاهِرين وتفقُّد عوائل الشهداء ورعايتهم.. وإلغاء بدعة المُحاصَصة "سيِّئة الصيت" في التشكيلات الحكوميّة رسائل الأيام للدكتور إبراهيم الجعفري الجعفريّ للعرب: لا تنظروا إلى حجم سكاننا بل انظروا إلى قوة إرادتنا وإصرارنا على حقوقنا.. المطلوب من الجامعة العربية أن ترسم أولوياتها على ضوء المصالح والمخاطر وتُفكـِّر بحجم الإنسان العربيِّ والقدر العربيِّ.. وأن ننتهي بنتائج ولا نكتفي بالكلمات والخطب الجعفريّ للعرب: أصبح صوت العراق مسموعاً وأصبحت إنجازاته موضع احترام العالم.. نحتاج إلى وُقوفكم إلى جانبنا ونحن لا نطلب دماء أبنائكم بدلاً من دماء أبنائنا ولكن عليكم مُساعَدتنا في مُواجَهة داعش خُصُوصاً أنَّهم جاؤوا من بلدانكم ومن أكثر من مئة دولة الجعفريّ لوزراء الخارجيَّة العرب: نحن لا نـُمثـِّل حُكـَّاماً وحكومات فقط، بل نـُمثـِّل شُعُوباً عربيَّة وإضعاف أيِّ دولة إضعاف لنا جميعاً.. داعش يستهدف كلَّ دول العالم خُصُوصاً الدول العربيَّة؛ لذا عليكم أن تُتابعوا ما يجري في العراق خطوة خطوة

لقاء قناة العراقـيّة بالدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيّة العراقـيّة 17/12/2015
الاخبار | 17-12-2015

 

  • قبل الدخول في الحوار كنتُ أستحضر أنَّ العراق كان في الطليعة، وأوَّل دولة حصلت على سيادتها، وأوَّل دولة عربيّة دخلت في عصبة الأمم.. أمّا اليوم فأين العراق؟

الجعفريّ: مُقوِّمات السيادة العراقيّة مغروزة في البنية التحتـيّة لمفهوم الدولة. الشعب العراقي مُتحضِّر له تاريخه، ومُفاعِلاته السياسيّة، والفكريّة، فكان في السابق مُتربِّعاً على عرش التاريخ، ومايزال يملك هذه المُقوِّمات، نعم.. تـُوجَد ظروف استثنائـيّة تـُحيط به الآن، وهو يُقاومها بجلادة، وقوة، وأناة، ويُصِرُّ على بناء مفهوم الدولة رغم كلِّ التحدِّيات الاقتصاديّة، والسياسيّة، والأمنيّة.

التحدِّي الاقتصاديّ تبلور على شكل انخفاض حادٍّ في سعر النفط، وتسبَّب بعجز في المُوازَنة، والتحدِّي الأمنيّ هو وجود داعش، وهناك تحدِّيات سياسيَّة، ومع ذلك العراق صامد.

تقييم أيِّ دولة، وأيِّ نظام لا ينبغي أن يكون بمعزل عن الظروف التي تـُحيطه، ومن الغبن أن نـُقيِّم كلَّ بلد، وكلَّ نظام، وكلَّ قائد سياسيّ بمعزل عن الرياح العاتية التي تـُحيطه.

العراق في الوقت الذي يُسجِّل هذه النجاحات يأخذ بنظر الاعتبار أنـَّه يُجذف في زورق تحيطه أمواج، وتحدِّيات. بالمُناسَبة هذه التحدِّيات ليست في العراق فقط فاليوم التحدِّيات الاقتصاديّة ضربت رياحها في دول عظمى إذ تـُعاني روسيا من انخفاض سعر النفط، وتـُعاني دول أميركا، وأوروبا، وآسيا، وأفريقيا من التحدِّي الأمنيّ. والعراق جزء منها.

نحن أمام إرهاب مُعولـَم، والعراق يُثبت وضعه جهد الإمكان، ويتغلـَّب على التحدِّيات التي تواجهه لإرساء قاعدة الدولة على المُجتمَع العراقيِّ الجديد.

 

  • المنطقة مُهتمَّة بالتحالفات، والمحاور، والجميع يُحاول أن يجتذب العراق إلى صفه، ويستفيد من دخول الأتراك اليوم.. هل الأتراك انسحبوا كما قِيلَ في بعض وسائل الإعلام، وهناك ترحيب أميركيّ، أم هذا الانسحاب لم يتمَّ، ولا حتى بشكل جزئيّ؟

الجعفريّ: سمعنا ما سمعتَ أنتَ من الناطق، أو المُتحدِّث، أو السيِّد وزير الخارجيّة، أو رئيس الوزراء يُعطي إيماءات بالانسحاب، وما شاكل ذلك.

لا نعترف بأنَّ الانسحاب حصل إلا إذا انسحبت القوة التركيّة المُسلـَّحة كافة من الأراضي العراقـيّة كلـِّها.

أمّا الترحيل، أو إعادة تنظيم فهذه مصطلحات تنطوي على مخاوف.. السيادة بالنسبة لنا لا تـُجزَّأ، ولا نتقـبَّل أن تـُرحَّل إلينا هذه المصطلحات. نحن أمام شاخص انتهاك على الأرض لا نرضى إلا أن يتحوَّل الانتهاك إلى انسحاب، واحترام سيادة العراق، وعدم تكراره في المُستقـبَل.

نحن نتمتع بعلاقة جيِّدة مع تركيا، ولدينا نوايا حسنة، وبرهنـَّا في أكثر من مُناسَبة أنَّ ما يربطنا مع تركيا هو حقائق الجغرافية، والتاريخ، والموارد المُشترَكة، وأخيراً الأخطار المُشترَكة. نقف معها، وتقف معنا. أمَّا أن يتعرَّض العراق من قِبـَل قوات مُسلـَّحة تركـيّة فهذا لا يُمكِن قبوله إطلاقاً سواء أكان من تركيا، أم من أيِّ دولة من دول أخرى.

 

  • هل تعتقد أنَّ له علاقة بالخلاف على الموصل الذي حسمته عصبة الأمم المُتحِدة بأن عدَّت الموصل جزءاً من العراق؟

الجعفريّ: الموصل مُحافظة عراقـيّة، وأنا عشتُ مع أهلها كما عِشتُ ثماني سنوات ونصف عندما درست في جامعة الموصل هم عراقـيّون إلى مُخِّ العظم.. ليس من حقِّ أيِّ أحد عراقيٍّ أو غير عراقيَّ أن يضع نفسه بديلاً عن الإرادة الموصلـيّة المُنبعِثة من وجدان الموصليِّين، ومن قبائلهم، ومن مذاهبهم، ومن دياناتهم.

أنا أعرف الموصل، وأعرف كيف يُفكـِّرون. إنـَّهم يعتزون بعراقـيَّتهم، ويتعاونون مع بعضهم، ومُتعايشون.

 

  • ما سبب دخول الأتراك في هذا التوقيت.. هل لطمع سابق بالموصل، أم بالعراق؟

الجعفريّ: من خلال علاقتي مع القادة الترك، ومن خلال رصدي للخطاب التركيِّ لم أسمع أنـَّهم يُطالِبون بهذا الشيء، نعم.. نظريّات التحليل، ونظريّات المُؤامَرة ليست كلها مُصفـَّرة، ويشتبه مَن يُصفـِّر نظريّة المُؤامَرة.

لم أسمع أنـَّهم ينوون احتلال الموصل، أو ما شاكل ذلك، بل هم دائماً يستثمرون كلَّ المُناسَبات، وكلَّ التصريحات ليُعلِنوا أنـَّهم مع سيادة العراق، ومع عدم التدخـُّل في الشأن العراقيّ.

علاوة على ذلك أنَّ العالم اليوم يختلف عن عالم أمس؛ إذ لا أحد يدخل بلداً بهذا الحجم، ويُريد أن يعبث بأمنه.. هذا لا وجود له الآن إلا في عالم الخيال.. العالم اليوم عالم سيادات، وعالم تتحرَّك فيه الدول ضمن منظومات دوليَّة.

العراق أروع مَن يُمثــِّل المشروعيّة الدوليّة في موارده المائيّة، والنفطيّة، وفي سيادته، وفي كلِّ شيء.. العراق جار آمن لتركيا، ولا تتوقــَّع منه أذى، وفي الوقت نفسه هو جار قويّ.. العراق قويٌّ عندما تحرَّك دبلوماسيّاً، وأقوى عندما تـُنتهَك سيادته.. ليكن هذا واضحاً.

 

  • مردُّ الانسحاب بتقديرك هو للتحرُّك الدبلوماسيِّ بعيداً عن التهديد الذي أعلنته فصائل المُقاوَمة؟

الجعفريّ: مُجمَل حركة رُدُود الفعل في العراق دبلوماسيّة ًكانت أم ميدانيّة، أم تحشيد الوضع الإقليميِّ والدوليِّ كلها لا تتجزَّأ، وهذه كلها انعكاسات لفهم سياسيٍّ، ولتحرُّك سياسيٍّ.

الحركة السياسيّة تقوم بها الدبلوماسيّة العراقيّة، وهي مشروعة بكلِّ المعايير وطنيّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً عندما تـُطالِب بالانسحاب ضمن المعايير الدولـيّة.

ليس لدينا مُشكِلة.. كلُّ الدول شجبت، واستنكرت هذا التدخـُّل، وعدَّته مسَّاً بالسيادة العراقـيّة، ووعدت أن تقف إلى جانبنا في المحافل الدوليّة لمُطالبة تركيا بسحب قواتها العسكريّة من العراق. هذا موضع إجماع، وما رأيت دولة تردَّدت في التعبير عن الشجب، والاستنكار، والوقوف إلى جانب العراق.

الموقف العراقيُّ قويّ، ويتحدَّث بعزٍّ عن سيادة العراق، وهو لم يتحرَّش بأحد، ولم ينتهك سيادة أحد، ولم يتوعَّد أحداً.. ذهب ذلك الوقت الذي كان صدّام يُحارب مرّة إيران 1980 إلى 1988، ومرّة يحتلُّ الكويت، ويضرب السعودية، ويُشعِل حُرُوباً محليّة..

العراق قويّ بسيادته، وقويّ بالدفاع عن نفسه.. يشتبه مَن يتصوَّر أنه يستطيع أن يقتحم إرادة العراقـيِّين وإلا ستتحوَّل بُيُوت العراقـيِّين إلى خنادق عسكريّة.. النساء سيتحوَّلن إلى مُقاتِلات في داخل البُيُوت.

ينبغي على الجميع أن يُدرِكوا هذا، لكنَّ العراق لا ينوي إيذاء أحد، ولا يُهدِّد بعصاه، بل العراق مُصِرٌّ على أن يمضي في طريق السلام، ويكون نموذجاً.

العراق الآن في خط التماسِّ الأوَّل مع الإرهاب، وعلى هؤلاء أن يُدركوا أنَّ العراق حامٍ من حُماة المنطقة، وحُماة العالم إذ يُقاتِل داعش الذي ينتمي أفراده إلى أكثر من 100 دولة.. نحن نـُقدِّم أغلى شيء في مُعادَلة المُواجَهة، وهو الدم العراقيّ، إذ يُقدِّم  أبناؤنا، وأعزاؤنا أنفسهم ضحايا. فعندما يفتح أحد هكذا شيء يجب أن يحسب أنَّ العراق لا يُمثـِّل تقاطعاً مع حكومة، أو حاكم، أو دولة..

الشعب العراقيُّ مُتمسِّك بوطنيّـته، ومُتمسِّك بسيادته، وبأرضه.

 

  • ماذا لو لم تـُؤدِّ ضغوط الخارجيّة إلى الانسحاب؟

الجعفريّ: الخارجيّة لن تستسلم لأيِّ مُحاوَلة، ولا تضع جدول بداية، ولا تضع جدول نهاية لحركتها، بل تعمل ليل نهار، وبعد كلِّ خطوة هناك خطوة، وبعد كلِّ خيار هناك خيار إلى أن نصل إلى تحقيق أهدافنا.. لا ندع كلَّ مُنتدى دوليٍّ إلا ونـُعلي صوتنا على منبره، وليس لدينا تردُّد.. قبل قليل كنتُ في اتصال هاتفيٍّ مع السيِّد وزير خارجيّة السعوديّة عادل الجبير، ونتواصل مع كلِّ دول العالم، ونـُوصِل صوت العراق، ونـُطالِبها بأن تقف إلى جانب العراق، ولم أرَ أحداً تردَّد؛ لأنَّ مطالبنا مشروعة؛ لذا نستمدُّ زخمنا في الحركة من مشروعيّة أهدافنا، ومشروعيّة سيادتنا، ومبادئنا، وثقتنا بأنفسنا المُستمَدَّة كلها من الله تبارك وتعالى.

 

  • ماذا كان موقف الخارجيّة السعوديّة؟

الجعفريّ: جيِّد.. تحدَّثنا بالهاتف حوالى 20 دقيقة عن عِدَّة محاور، وهو الذي بادَرَ بالاتصال لأنَّ هناك مُبادَرة طرحتها السعوديّة، فتحدَّثنا عنها، وتحدَّثنا عن نقاط أخرى، وبالضمن أطلعناهم عن مُجرَيات الأحداث.. هو أراد أن يطمئنَّ أنَّ الانسحاب حصل، فقلتُ له: بالنسبة لنا مفهوم الانسحاب يعني سحب القوات المُسلـَّحة التركيّة كافة من الأراضي العراقيّة كلـِّها، وهو إلى الآن لم يتحقـَّق.

 

  • هل كان هناك لقاء مع وفد تركيّ قبل عِدّة أيّام، وذكرت الخارجيّة العراقيّة أنَّ الموقف الذي خرج به الأتراك، أو ما توصَّلتم إليه ضمن هذا الاتفاق كان مُخالِفاً لما صدر عن الأتراك؟

الجعفريّ: بدأت القضيّة بالشكل التالي: اتصل السيِّد مولود وزير الخارجيّة التركيّ معي بالتلفون لمُدَّة 40 دقيقة، وتحدَّثنا مُفصَّلاً، ولخـَّصتُ له الموقف بأنه تـُوجَد قوات تركيّة عسكريّة في هذا المعسكر يجب أن تنسحب، وهذا مسّ، وخرق للسيادة. قال: نحن لن نبعث أيَّ قوات جديدة. قلتُ له: الموضوع ليس إرسال قوات جديدة. أنا أناقش أصل وجود قوات عسكريّة تركيّة في العراق يجب أن تنسحب.

هو رأى موقفاً واضحاً، ومُحدَّداً، وصريحاً مع كلِّ الاحترام، والتقدير، والحرص على العلاقات العراقـيّة-التركـيّة، فقال: أرجع إلى قيادتي، فأبلغونا بأنَّ وفداً يُريد أن يزور العراق، فقلنا: أهلاً وسهلاً ومرحباً. جاء الأخ فريدون ومعه مسؤول المُخابَرات التركيّ، واستقبلناهم في الخارجيّة قرابة ثلاث ساعات، وجرى حديث تناولنا عِدّة محاور، وطرح مرّة أخرى ما طرحه الأخ مولود بأن يُوقِفوا الإمدادات الجديدة، ولا يُرسِلوا قوات أخرى. قلنا له: الكلام في أصل تواجُد قواتكم على الأرض العراقـيّة، وهذا نعتبره خرقاً للسيادة، وليس لدينا أيُّ نقاش غير هذا، وأنا سبق أن قلتُ للسيِّد مولود: لديكم 48 ساعة للإعلان عن الانسحاب، وقد تحتاجون يومين أو ثلاثة إضافيّة لاعتبارات ميدانيّة، لكنَّ الإعلان عن الانسحاب يجب أن يكون خلال مُدَّة لا تتجاوز 48 ساعة، وهي المُدَّة التي حدَّدها مجلس الأمن الوطنيِّ بحضور الأخ رئيس الوزراء، وبقـيّة الأعضاء، وجرى تقييم الموقف، وتحديد الموقف المُناسِب إزاءه، فاتخذ قراراً بأن نـُطالِب تركيا بالانسحاب خلال 48 ساعة، وإلا فنحن ماضون إلى مجلس الأمن.

هذا هو الشيء الطبيعيُّ، والمشروع، وكذلك كان، فالوفد التركيّ بعد نقاش قرابة ثلاث ساعات أعلنَ أنـَّهم مُتفِقون مبدئيّاً، لكنَّ التصريح بالنسبة لهم سيتمُّ من خلال أنقرة بعد رُجُوع الوفد.

 

  • واتفقتم على أن يتمَّ الإعلان عن الانسحاب؟

الجعفريّ: ما كان لدينا أيُّ خيار آخر.. الخطاب العراقيّ كان واضحاً، وهو سحب القوات التركيّة كلها.

 

  • هل قـُيِّد هذا بمحضر اجتماع؟

الجعفريّ: هم يُسجِّلون، ونحن نـُسجِّل.

 

  • ولكن ليس محضر اجتماع؟

الجعفريّ: لا.. ليس توقيعاً على محضر اجتماع؛ نحن مُتفِقون على هذا الموقف، وقالوا: نحن فور رُجُوعنا إلى أنقرة سنـُعلِن عنه، ولكننا تفاجأنا عندما رجعوا إلى أنقرة أن جاء الموقف مُخالِفاً، وأعلنوا أنه لا تـُوجَد نيّة انسحاب.

ماذا يعني هذا؟

يُوجَد فرق بين دعم وضع أمنيٍّ لدولة جارة كجزء من التحالف، وحقيقة تعبويّة دوليّة أمميّة.. إلى الأمس القريب كانوا يُريدون من تركيا أن تدخل إلى التحالف باعتبار أنَّ عندها قاعدة أنجرليك؛ حتى تستفيد منها قوى التحالف، وتـُساعِد العراق بالغطاء الجويِّ، وبين أن تـُحرِّك مجموعة قوات مُدرَّعة على الأرض، وتستقر في بعشيقة.. هذا الموقف لا نقبله.

 

  • هل تمَّ تقديم طلب إلى العراق، أو أثمان مُعيَّنة، أو تعهُّدات مقابل هذا الانسحاب؟

الجعفريّ: لا.. ولن نسمح لأحد بأن يُملي علينا، أو أن يُريد تعهُّدات.

 

  • ما مردُّ التغيُّر؟

الجعفريّ: السيادة لا تـُجزَّأ.. السيادة على الأرض العراقـيّة، السيادة على الثروات العراقـيّة، السيادة على كلِّ شيء.. السيادة كليّ لا يتجزَّأ.. العراق كما هو أيُّ دولة في العالم تمتلك السيادة، ولا يُسمَح بانتهاك سماء العراق، ولا أرض العراق، ولا ثروات العراق، ولا شعب العراق، ولا أيِّ مُواطِن عراقيّ.

سبق أن انتـُهِكت سماء العراق من قبل الطائرات التركيّة حين طارت على الحدود العراقـيّة بدعوى أنَّ هناك تحرُّكات لـ(بي كي كي)، قلنا لهم: نحن حريصون على أمنكم مثلما نحن حريصون على أمننا، لكنَّه لا يُبرِّر أن تطير طائرات كانت في البداية تخترق الأجواء، وتعطي رسائل ولو وهميّة، ثم حدث هناك قصف، وراح فيه ضحايا مُواطِنين عراقـيِّين من الشريحة المسيحيّة، فقلنا لهم: هذا غير مسموح به. قلنا لهم: وجود الـ(بي كي كي) على الأرض العراقـيّة نعتبره خرقاً لسيادتنا قبل سيادتكم؛ لأنَّ سياسة حُسن الجوار في مفهوم الدبلوماسيّة العراقـيّة يعني أن لا نتسبَّب بأذى لأيِّ دولة من دول الجوار. ليس فقط لا ندخل أرضها، بل لا نخرق أمنها.

ولا نـُؤثـِّر في ثرواتها..

هل وجود داعش في الموصل جاء بناءً على تسامح عراقيٍّ، أم جاء بناءً على تخلخل أمني؟

نفس التخلخل الأمنيّ الذي تسبَّب بوجود داعش في الموصل يتسبَّب بوجود بعض المجاميع على شكل مجموعات.

نحن نرفض، ونشجب، ولكننا لا نتحمَّل مسؤوليـّتهم.. هذا تخلخل أمني، وهذه من مظاهره.

 

  • هناك أصوات تحدَّثت عن وجود اتفاقـيّة سابقة بين العراق وتركيا سمحت لها بالدخول إلى هذا العمق.. هل يُوجَد ما يُؤكـِّد، أو ما يسمح؟

الجعفريّ: من صُوَر التعامُل بين الدول محضر اجتماع، ومُذكـَّرة تفاهم، واتفاقـيّة.. الاتفاقـيَّة تـُعَدُّ السقف الأعلى في التعامُل بين الدول، ولا تـُوجَد أيُّ اتفاقـيّة، ولا مُذكـَّرة تفاهم، بل يُوجَد محضر اجتماع عام 1983 بين طارق عزيز، ووزير خارجيّة تركيا في ذلك الوقت، لكنَّ هذا لا يعني أكثر من كونه محضر اجتماع يُثبِّت ما دار في الاجتماع، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ البرلمان العراقيَّ صوَّتَ عام 2009 على إلغاء أيِّ التزام في هذا الصعيد سواء كان محضر اجتماع، أم مُذكـَّرة تفاهم، أم اتفاقـيّة.

 

  • إلى أيِّ مدى سيُعيد مجلس الأمن إلى العراق سيادته، أو رُبَّما يأخذ له الحقّ؟

الجعفريّ: من جملة ما مارسته الخارجيّة من نشاط منذ وقت مُبكـِّر هو إننا دعونا سفراء الدول الدائمة العضويّة في مجلس الأمن: (فرنسا، وبريطانيا، وأميركا،  وروسيا، والصين) في بغداد، وشرحنا الموقف، وكانت رُدُود الفعل جيِّدة، وكان فيها إجماع، وعرَّفوا بأنَّ هذا التدخـُّل انتهاك، وخرق للسيادة، وأعلنوا موقفهم بأنهم يستنكرون، وأبدوا استعدادهم للتعاون معنا في مجلس الأمن، ثم انتقلتُ من مُستوى السفراء في بغداد إلى وزراء خارجيّة الدول دائمة العضويّة، وجرى اتصال بجون كيري، ولافروف، وأمس اتصل فابيوس، وقبلها بقليل كنتُ على اتصل بي وزير خارجيّة بريطانيا، ووزير خارجيّة الصين كان في سفر ما، وجرى بيني وبينه حوار.

أربع دول من خمس كلها تـُؤيِّد العراق، وتعِدُ بأن تقف إلى جانبه، نعم.. رُبَّما أوصت إحدى الدول ببذل مزيد من الجهد الدبلوماسيِّ، قلنا لهم: مازلنا نبذل جهداً، ولكن ماذا بعد ذلك؟ السيادة يجب أن تـُحفـَظ.

 

  • مَن هذه الدولة؟

الجعفريّ: أميركا صرَّحت بأنـَّها تأمل أن تـُبذَل جُهُود أكثر، فقلنا لهم: نعرف ذلك، ونحن مُستمِرُّون بالاتصالات، وبذل أقصى الجُهُود الدبلوماسيّة.

نبيل العربيّ اتصل بي مرتين اليوم، وكنتُ في مجلس الوزراء، وتحدَّثنا عن عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجيّة العرب لتدارُس هذا الموقف.

منذ وقت أنا طلبتُ ذلك، والآن تـُوجَد استجابة جيِّدة، فهناك سبع أو ثمانٍ من وزراء الخارجيّة العرب تحدَّثنا معهم لتعبئة الموقف العربيِّ، والوقوف إلى جانب العراق.

 

  • هل إنَّ الأتراك، أو الجيش التركيّ كان مُتواجـِداً منذ عام، أو أكثر في هذه المناطق؟

الجعفريّ: غير صحيح. أنا كعضو في مجلس الوزراء، وعضو في مجلس الأمن الوطنيِّ لم أسمع جهة مسؤولة تقول: هناك وجود قوات مُسلـَّحة تركيّة في أيِّ مكان من العراق، ثم بدأنا نسمع أخباراً مُتفاوِتة، منها: أنها موجودة في كردستان، وكردستان جزء من العراق.. نحن نحترم النظام الفيدراليَّ، ولكن أن تجتاز دولة الحُدُود من الخارج فهذه سيادة، وتـُوجَد وزارات سياديّة معنيّة.. فهذه المُدَّعيات أعتقد أنـَّها كلـَّها غير صحيحة.

 

  • البعض يرى أنَّ العراق دفع فاتورة الطائرة الروسيّة التي أسقِطت من الجانب التركيِّ، وهذه إحدى تداعياتها؟

الجعفريّ: أنا لستُ في جمجمة أيِّ واحد من هؤلاء حتى أعرف كيف يُفكـِّر، لكني أفكر من زاوية بلدي: نحن غير مُستعِدِّين لأن نضع العراق ضحيّة صراعات دوليّة، أو إقليميّة، وتحاشينا ذلك منذ البداية، وانفتحنا على كلِّ دول العالم، ومددنا الجُسُور مع كلِّ دول العالم، ولكننا قلنا لهم: نحن معكم مادمتم مع العراق.. العراق القطب الثابت، وأنتم أقطاب مُتحرِّكة إقليميّة، أو دولـيّة نتعامل معها عندما تكون هناك أزمات، ومُستعِدُّون لبذل جهد لحلـِّها، وبذلنا جهداً لحلِّ بعض الأزمات ذات الطابع الإقليميِّ، والدوليِّ من دون أن ندخل في محور.. قلتها أكثر من مرّة: ما كان بين السعودية والجمهوريّة الإسلاميّة من حِدّة فنحن ساهمنا في تخفيفها من دون أن نتحوَّل إلى محور مع السعوديّة ضدّ إيران، أو مع إيران ضدّ السعوديّة، وكذا الأزمة الموجودة بين تركيا وسورية، وكلّ هذه الدول الأربع دول جوار جغرافيّ نحن ما وقفنا مع تركيا ضدَّ سورية، أو مع سورية ضدَّ تركيا، ولكننا تكلمنا بموقف العراق بكلِّ وضوح: السياسة العراقـيّة لا تـُجزِّئ بين الاستقرار الإقليميِّ وبين الاستقرار الداخليِّ، وهذا ينطلق من موقع حرصنا على بلدنا، وحرصنا عليكم كجوار ندعوكم إلى تخفيف هذه الأزمة.

 

  • كيف كان موقف الروس.. البعض يعتقد أنَّ الروس قد يكونون أكثر المُندفِعين، ورُبَّما يُساهِمون في دفع العراق للتصعيد عسكريّاً؟

الجعفريّ: نهتمُّ أن يكون الموقف العراقيُّ فاعلاً، وليس ردَّ فعل، ومُبادِر وليس مُستجيباً لضُغُوط هذه الدولة، أو تلك.

لا ضُغُوط على العراق، ولا يُوجَد ما يضغط إلا الذي لديه قابليّة لأن ينضغط.

 

  • الروس تحديداً؟

الجعفريّ: بالنسبة للعراق لا يُوجَد أحد يضغط، نعم.. يُوصِل رسالة، ويقول وجهة نظره، ونـُجيبه.

الحديث الذي دار بيني وبين السيِّد لافروف قبل يومين تمحور حول العراق، وتطوُّرات الوضع، وعبَّرتُ له بأننا لا ندخل في محور عسكريٍّ، ولا ندخل في أيِّ شيء آخر، وتحدَّثنا عن الملفِّ السوريِّ، وعبَّرنا عن وجهة نظرنا بكلِّ صراحة، وعرَّفنا الملفَّ السوريَّ من زاويتنا، وذكـَّرناه بموقفنا في فيينا.

هذه الدول تـُدرك جيِّداً أنَّ العراق يملك زمام الأمر في التعبير عن سيادته، وغير خاضع لصفقات مع هذه الدولة أو تلك الدولة سواء كانت إقليميّة، أم دولـيّة.

 

  • كيف تنظرون إلى موقف فصائل الحشد الشعبيّ؟

الجعفريّ: هزَّهم ما تعرَّض له العراق من خرق لسيادته، وليس بالضرورة أن نتطابق في كلِّ المواقف، لكنَّ الضروريَّ أن تصبَّ مُحصِّلة التنوُّع في مُجمَل دعم السيادة العراقـيّة، واحترام السياقات العراقـيّة وفق الدستور.

الدستور الذي يحكم الوزارات هو نفسه الذي يحكم المجاميع التي تـُقاتِل تحت لواء القوات المُسلـَّحة العراقـيّة. هذا أوصت به المرجعيّة، والشعب، والتظاهرات بأنهم يُريدون قوة، وحفظ سيادة، ويُريدون ضمن الدستور، والسياقات الطبيعيّة.

عندما يحدث ضغط على العراق، وعندما تـُنتهَك حُرمة العراق فماذا يعتقد هؤلاء؟ رُدُود الفعل تتمظهر بشكل مُتفاوت رُبَّما تكون أكثر من هذا، وقد سبق أن قلنا لهم أيّام بدأ الاحتلال بعد سُقوط النظام المقبور: إصراركم على البقاء بهذه الطريقة سيُولـِّد مُضادَّات تتمظهر بشكل مجاميع تحمل السلاح للذود والدفاع ضدَّ القوى المحتلة إذا لم تخرجوا من العراق، وقلنا: ستتدخـَّل بعض الدول المُجاورة، وتتخذ من وجودكم على الأرض العراقـيّة مُبرِّراً لها.

أعتقد أنَّ مُكوِّنات الحشد الشعبيِّ سجَّلت مواقف مُشرِّفة، وحققت شيئاً رائعاً جدّاً منذ انتـُهـِكت حُرمة الموصل، وما بعدها من تداعيات حصلت.. لقد سجَّل الحشد الشعبيُّ مواقف مُشرِّفة حين انضوى تحت لواء القوات المُسلـَّحة العراقـيّة تحت إمرة الأخ رئيس الوزراء باعتباره القائد العامَّ للقوات المُسلـَّحة، وحقق ما لم تـُحقــِّقه الكثير من القوى الأخرى.

منطق الحشد هو منطق شعبيّ مُسلـَّح، ونحن لم نكن ننوي أن نـُعسكِر شعبنا، ولم نزل، لكنَّ الرُجُوع إلى كلِّ الدول التي تعرَّضت للاحتلال ستجد أنَّ الصفحة الحاسمة كانت صفحة سُمِّيت (الجيش الرديف، والجيش الوطنيّ، والجيش الأهليّ)، لكنَّ النتيجة كانت بيد الشعب؛ لأنَّ منطق داعش هو الإرهاب، ويُراد له منطق مُعادِل، وكفوء، وهو منطق الحشد الشعبيّ، وهم جزء من القوات المُسلـَّحة.

 

  • ماذا كان سيقول الدكتور الجعفريّ فيما لو استجاب مجلس النواب، وجعل جلسته سِرّيّة؟

الجعفريّ: أنا طلبتُ أن يكون خاصّاً؛ انطلاقاً من حرصي على أن أكون أكثر صراحة.. ليس لديَّ كلام في صورتين، بل لديَّ كلام بحجمين حجم خاصّ، وحجم عامّ.. هذا لابُدَّ أن نتمسَّك به.

الحجم الخاصّ صريح، وحتى لا يُستغـَلَّ من قبل أعداء العراق طلبتُ أن تكون الجلسة مُغلـَقة، ولكني احترمتُ رغبتهم، وتحدَّثت بما أمكنني الحديث من الصراحة، مع مُراعاة المصلحة الوطنيّة العليا، فتقبّلتها بكلِّ مَحبّة.

 

  • بعض النواب قالوا: لم يستجب له مجلس النواب فحوَّل الحديث من عامّ إلى أعمّ؟

الجعفريّ: لا.. طريقتي في الحديث هي أن أنتقل من الخاصِّ إلى العامّ، وهو ليس انتقالاً مُتكلـَّفاً، ولا مُفتعَلاً. فإذا سألتني في جلسة خاصة: لماذا حدثت هذه الأزمة وأنتم لديكم علاقة دبلوماسيّة جيِّدة؟

سأذكر لك الكثير من الأشياء، ولكن في الجلسة العامّة أنظـِّر بتنظيرات عامّة.. فالانتقال من الخاصِّ إلى العامِّ ليس على حساب صِدقي، وصراحتي.. عندما لا أصدق أموت، هذه حقيقة أقولها لك.

 

  • ماذا فاتك في هذه الجلسة؟

الجعفريّ: عندي كلام كثير جدّاً.. منذ كنتُ صغيراً كان هناك زحمة التزامات، لكنَّ التزامات هذه الأيّام الأخيرة كانت مُكثـَّفة، وعلى أعلى المُستويات مُستوى دوليٍّ، وإقليميٍّ، وشرق أوسطيٍّ، ومُستوى إسلاميٍّ، ومُستوى عربيٍّ، ومُستوى عراقيّ..

تـُوجَد مُفرَدات كثيرة، وفي كلِّ حوار نخرج جزءاً منها، ولكنها بمجموعها الكليِّ تـُشكـِّل الموقف العراقيَّ الذي أتشرَّف أن أراه قويّاً بالتنسيق مع زملائي الوزراء أصحاب العلاقة، ومع السيِّد رئيس الوزراء، ومع البرلمان.

واحدة من ثمار هذا الشيء أن نجد فرصة لتجسيد التقارُب. لا أقول لا يُوجَد تقارُب بين السلطة التشريعيّة والتنفيذيّة، بل فرصة لتجسيد هذا التآخي، والمَحبَّة.. لا تـُوجَد قوى سياسيّة عراقيّة تختلف في الدفاع عن السيادة.

 

  • ولكن هناك نواب لم يرفعوا أيديهم في بيان مجلس النواب، وأحد نواب رئيس الجمهوريّة بشكل أو بآخر رحَّب بدخول قوات تركيّة؟

الجعفريّ: وجهة نظر شخصيّة؛ علماً أنـَّه إلى الآن ما أعيدت مسألة نيابة رئاسة الجمهوريّة، ومن حقِّ كلِّ مُواطِن أن يُعبِّر عن رأيه.. لا يُوجَد مُجتمَع مُتطابـِق في كلِّ أفراده.. وحلاوة النظام السياسيِّ أن لا يختنق برأي أحد، ولكنَّ الذي يُقرِّر موقف العراق هو مُحصِّلة البرلمان في السلطة التشريعيّة، ومُحصِّلة الحكومة في السلطة التنفيذيّة، أمّا أن ننتظر إجماعاً تنفيذيّاً فاليوم نحن في مجلس الوزراء هناك عِدّة قرارات بحُضُور الأخ رئيس الوزراء لا يُوجَد عليها قرار بالإجماع.

 

  • لو طلبتُ شهادتك: هل أعطى رئيس الوزراء موافقة مكتوبة، أو شفهيّة، أو هامشيّة عن طريق وسيط.. وُصِّف هذا الموضوع بأنَّ رئيس الوزراء أعطى الأتراك موافقة، ثم قِيلَ إنها شفهيّة؟

الجعفريّ: هذا الكلام ليس صحيحاً أبداً. رئيس الوزراء لم يُعطِ، ولو أعطاه لكـُنـَّا عرفنا. إمّا على طاولة مجلس الوزراء، أو بالحديث معه، أو في مجلس الأمن الوطنيّ.

معرفتي الشخصيّة برئيس الوزراء أنه لا يكذب، وقد نفى ذلك، علاوة على أنـَّه صرَّح علناً برفض التواجُد التركيِّ، وشجب، وطالب بالانسحاب.. وبالمُناسَبة عنصر الثقة بين الحكومة بكلِّ أركانها، وأطرافها يجب أن يكون قائماً خصوصاً في مثل هذه الظروف.

 

  • كلامك يُمكِن أن يُغضِب أسامة النجيفيّ؟

الجعفريّ: أسامة النجيفيّ صديقي، ولو ببعض العتب، ولكنه يعلم إذا يُراجع تقييمي له أنَّ أبرز صفاته أنه يتكلم بصراحة. قد لا أتفق معه، لكنه صريح.

أناشده أنَّ المصلحة الوطنيّة العراقـيّة يجب أن تكون غالبة، ومُقدَّمة على كلِّ الأشياء.. في مثل هذا الظرف يجب أن نتناسى إن لم ننسَ الخلافات الجزئيّة. العراقيون جميعاً بلا استثناء على محكِّ التجربة، والاختبار تتعرَّض سيادة العراق،  ونحن نسمح لعناوين جانبيّة تستقطب اهتماماتنا، وجمهورنا، وشعبنا، وبلدنا يتعرَّض للانتهاك.. كلُّ شيء غير الانتهاك، والدفاع عن السيادة يُعَدُّ جانبيّاً.. أملي به أن يُراجع نفسه بشجاعة، وأنا أعلم أنَّ عنده شجاعة.

 

  • المنطقة على مُفترَق طرق.. البعض يدقُّ طبول الحرب العالميّة الثالثة؟

الجعفريّ: الحرب العالميّة الثالثة بمفهومي بدأت منذ زمن.. الحرب العالميّة تعني أنـَّه لا تـُوجَد الآن أرض غير مُستباحة، ولا تـُوجَد أرض ليست هدفاً للإرهاب، ولا تـُوجَد أرض لا تنطلق منها رُدُود فعل على ذلك الإرهاب.

 

  • الحرب العالميّة الأولى، والثانية؟

الجعفريّ: أنا أتحفـَّظ على تسميتها الأولى، والثانية؛ لأنَّ العالميّة تعني أنَّ كلَّ شُعُوب العالم مشمولة بالخطر، وإذا تكلمنا على مُستوى الأهداف فلا يُوجَد مورد من موارد العالمة غير مُهدَّد: الموارد المائيّة، والنفطيّة، والخدميّة.. الموارد الإنسانيّة من كلِّ النواحي.

العالميّة كحرب قائمة، نعم.. ليست ذريّة، ولكن الحرب الأولى ما كانت ذريّة، والثانية خُتِمت في هيروشيما ونكازاكي بالذريّة، لكنها في البداية ما كانت ذريّة.

الحرب على الإرهاب ليست ذريّة، وأرجو أن لا تكون كذلك؛ لأنَّ هذا سلاح يُدمِّر الكرة الأرضيّة كلـَّها، إلا أنـَّها حرب عالميّة؛ لأنه حين يكون الطفل هدفاً إذ إنَّ أحد الأطفال العراقـيِّين عمره يومان قـُتِل من قِبَل إرهابيٍّ بدم بارد، وكلّ الملاعب، والحدائق، والمطاعم، والمطارات، وكلُّ شيء أهداف له؛ إذن كلُّ بلد، وكلُّ بلدة، وكلُّ مكان هدف من أهداف الإرهاب، والإرهابيّ قابع خلف ستار..

هذه حرب عالميّة.

 

  • يُقال: إنَّ الإصلاحات في الدولة أصبحت من الماضي؟

الجعفريّ: لا.. نحن في حالة عُبُور من الماضي إلى المُستقـبَل.. كيف سنعبر إلى المُستقـبَل؟

أشجب الحديث عن المشاكل دون الحديث عن الحُلـُول.. تعلـَّمتُ من الطبِّ أن أتكلم بالتشخيص حتى أعالج.

أعتقد أنَّ الحكومة حاولت أن تبدأ بها، وبذلت جهداً، ونحن على صعيد الخارجيّة أقدمنا على إصلاحات كثيرة جدّاً، ومنها: النظر في التعيينات، وتثبيت أسس الانتقال من مكان إلى آخر (من المركز إلى البعثات في الخارج، ومن البعثات إلى أن تنتهي مُدَدُهم)، وتحكيم المعايير بينهم، والارتقاء بالسلم الوظيفيِّ الذي يجب أن يخضع لمعايير، واعتمدنا آلـيّة اللجان لمُواجَهة المعنيِّ بالتعيين، والمعنيِّ بالانتقال من خلال لجنة تستوعب وضعه، وتـُعطيه فرصة لأن يتكلم؛ لذا التقت 272 موظفاً على هذا الصعيد؛ حتى يرى نفسه لأوَّل مرّة أمام لجنة تتفحَّصه، وتـُراعي وضعه، وخرجت الآن أوَّل مرّة مجموعة كبيرة من المركز إلى الخارج.

 

  • لماذا يتهمك البعض بأنك غير موجود في الخارجيّة؟

الجعفري: أتواجد في الخارجيّة على طول أيام الدوام الرسميِّ باستثناء يوم الثلاثاء؛ لأنَّ عندي اجتماع مجلس الوزراء، وأيّام السفر.. أنا أتواجد في مبنى الخارجيّة صباحاً، وأخرج بعد الظهر، ثم في البيت مع مُستشار وزارة الخارجيّة يأتي بكلِّ ما يتعلق بوزارة الخارجيّة نبقى نعمل لمُدَّة ثلاث، أو أربع، وأحياناً خمس ساعات يوميّاً.

 

  • رأيت الإحصائيّة بأنك سافرتَ 290 يوماً خلال سنة؟

الجعفريّ: مُبالغ به.

 

  • كم يوماً سافرت؟

الجعفريّ: أكثر السفر استجابة، أو أن أبادر لأسلـِّم رسالة، أو استجابة لاجتماعات دوليّة.. عندنا أمم مُتحِدة، وجامعة الدول العربيّة، والمُؤتمَر الإسلاميّ، ولدينا علاقات ثنائيّة.

أنت تعرف أنَّ السفر أكثر من مُكلـِّف خُصُوصاً أني أسافر بطائرة مع الناس، لا طائرة رئاسيّة، ولا أؤجّر طائرة خاصّة في كلِّ سفراتي، إلا مرّة واحدة سافرت مع السيِّد رئيس الجمهوريّة، ومع السيِّد رئيس الوزراء، وهذا يُعرِّضني لأن أمرَّ بعواصم في الطريق فإذا سافرتُ على الخطوط التركيّة أذهب من إسطنبول، ومنها أسافر، فيقتضي أن أنتظر فترة، وإذا أسافر على الخطوط الإماراتيّة أقف في دبي، وأبقى أنتظر، وقد أبقى ست، أو سبع ساعات.. في بعض الأحيان أنام في المطار.. لا يهمُّني ذلك، ما يهمُّني هو إني عندي قضيّة شعب، ومُتمسِّك به.

 

  • هل تتابع الإنترنت؟

الجعفريّ: أحياناً، ولكني مُطـَّلِع على ما يدور، ولا يُوجَد لديَّ وقت أضيِّعه في الردِّ على مثل هذه الأشياء.. يكفيني ما قِيلَ بسيِّدي وسيِّد البشريّة، وسيِّد الكائنات بأنه الكذاب، والمجنون، والساحر، ولم يردَّ عليهم.. أبلغُ ردٍّ في مثل هذه الحالات هو عدم الردِّ.

وإذا حان وقت الردِّ سأردُّ بلا تردُّد، وأذكر الأرقام التي لديَّ.. وقتي الآن هو لخدمة شعبي، وأنا غير مُستعِدٍّ لأن أضيِّع هذا الوقت بأمور جزئيّة، ولكن إذا حان الوقت سأقول قولي، ولن أتردَّد.

إذا تعذر عليَّ أن أرتقي بهم، فلا ينبغي أن أنزل إلى مُستوى لا أريد أن أنزل إليه، ولكن عندما يحين الوقت سأقول، وأرجو أن لا يحين.

 

  • هل يُبلغونك ببعض التهجُّمات؟

الجعفريّ: يقولون مثلاً أنت تذكر اسم كونفوشيوس.. ماذا به؟

من لم يقرأ تاريخ 571 قبل الميلاد، فليقرأ أنَّ ثلاث دول في مصافِّ الدول العظمى: (اليابان، وكوريا، والصين) والبضائع التي في السوق، والأسلحة المُتطوِّرة كلها تقوم على فلسفة هذه الدول التي تعتنق الكونفوشيوسيّة.

عندما نتحدَّث نتأسَّى بالرسول -صلى الله عليه وآله- وأئمة أهل البيت -عليهم السلام-، ونتعلم من كلِّ الناس، ونذكرهم بخير. هذا ليس عيباً، وأذكره في موقف مُعيَّن.

 

  • موضوع التجربة السنغافوريّة في الإصلاحات إلى أيِّ مدى تعتقد بوجود تشابُه بين تجربة العراق وتجربة الإصلاحات في سنغافورة.. البعض يقول تشبه إلى حدٍّ ما؟

الجعفريّ: التشابُه موجود بين كثير من دول العالم؛ لذا حين يتسع المثقف جغرافيّاً إلى دول العالم، وتاريخيّاً إلى تاريخه سيجد الكثير من العناصر مُشترَكة خُصُوصاً في مجال السياسة، وفي الوقت نفسه لا يـُوجَد في السياسة استنساخ. حتى سنغافورة اليوم غير سنغافورة قبل.. دول العالم الآن في حالة حراك نحو المُستقـَبل؛ لذا ليس من الصحيح أن ننفتح؛ لنـُطبِّق ما حصل 100%.

أعتقد أنَّ بعض الدول العربيّة لديها تجارب ناجحة.. الإمارات تقطع أشواطاً جيِّدة في مجال الاقتصاد، والإعمار، والبناء.. حدَّثني الشيخ زايد -رحمه الله- عام 2003 عن مشاريعه، وكيف انتقل بالإمارات ممَّا كانت عليه إلى ما هي عليه في ذلك الوقت 2003 و 2004.

الرجل طوَّر الإمارات، وتعامل بحكمة، ووظف الثروات الإماراتيّة لخدمة الشعب الإماراتيِّ.. هذه تجارب يجب أن نستفيد منها، ويجب أن نفكر بعقل الدولة.

كلُّ دولة عندما تنظر بثقة إلى نفسها، وبثقة للآخرين ستجد أنَّ هناك مصبَّات للبناء.

 

  • بعد مُرُور عام ونصف على توليك وزارة الخارجيّة أين تجد نفسك في بيئة فكريّة ثقافيّة من شعر، وأدب، وثقافة، وقراءة، وعالم فكريّ، أم في ميدان العمل؟

الجعفريّ: لا أنقطع عن الفكر كتابة ًوقراءة ً.. أقرأ قبل أن أكتب، ولا أنقطع عن ذلك أبداً في حِلـِّي وترحالي، ولا يُؤثـِّر في وقتي، نعم.. أزحف على وقت النوم حتى أطـَّلع، وأكتب، ولا أشعر أنَّ هذا يأخذ من وقت عملي؛ لأنـِّي الآن مُؤتمَن على الخارجيّة فيجب أن أعطيها ما تستحقُّ من الوقت بقدر ما أتمكـَّن، وأرحل -أيضاً- إلى أن أغذي عقلي بالفكر مثلما أغذي قلبي بالعبادة والتقرُّب إلى الله تبارك وتعالى.

 

  • على ذكر العبادة كان لك حُضُور لافت في المجال الدينيِّ والحوزويِّ، ورجال الدين هل مازال هذا التواصُل موجوداً؟

الجعفريّ: أتطفل على قراءة بعض البُحُوث، والتقارير، وأقرأ بها، وأفيد منها.. أتناوله كجزء من الفكر، وعندما تكون هناك سفرة إلى المملكة العربيّة السعوديّة لن أتنازل عن مُفرَدة العمرة، وكذلك أتشرَّف بزيارة العتبات المُقدَّسة.

 

  • ما آخر كتاب قرأته؟

الجعفريّ: وصلني قبل ثلاثة أيّام كتاب (جيفرسون والقرآن الكريم)، ولم أنتهِ منه بعد.

  • هل تتذكـَّر أوَّل كتاب قرأته؟

الجعفريّ: كـُتـُب المنفلوطي قرأتـُها عندما كنتُ طالباً في الصفِّ الأوَّل مُتوسِّط، واطـَّردت معي الكـُتـُب على التوالي.

لا أخفي عليك أنا إسلاميّ، ولكني بدأتُ بالكـُتـُب الأدبيّة، والإسلاميّة، والتفاسير، وما فارقني الكتاب طيلة حياتي.

كلُّ مَن لمع نجمه أحاول أن أقرأه، وكلُّ فكر برز إلى مجال الحيِّز الفكريِّ أحاول أن قراءته على لسان خـُلـَّص كُتـَّابه ليس على المُعادين. أنا قرأتُ الأفكار جهد الإمكان مَن كتب لهم، وليس عليهم، مثلاً: الفكر الماركسيّ أخذتُ في التنظيم الثوريِّ عشرة كـُتـَّاب مجريِّين ماركسيِّين من أروع الكتب، وقرأتُ نهرو، وأنصح بقراءته.

كتب كتاباً لمحات عن تاريخ العالم لابنته أنديرا غاندي عندما كان في سجن، وزوجته في سجن. وأنديرا غاندي رئيسة الوزراء التي اغتيلت كانت صغيرة ويُغذيها برسائل يُعرِّفها على العالم بلداً بلداً، ومقطعاً تاريخياً.

أتمتـَّع بالكتاب لأني أجد فيه ثروة، وأبدا معه جاهلاً، وأنتهي إلى مُتعلـِّم؛ لأنه يُضيف لي.


العودة إلى صفحة الأخبار


 الرئيسية  |  الأخبار  |  إبراهيم الجعفري  |  تيار الإصلاح الوطني  |  رسائل الأيام  |  كلمات  |  الصور  |  المكتبة  |  الفيديو  |  اتصل بنا 
E-mail : med@al-jaffaary.net
جميع الحقوق محفوظة لـموقع الدكتور ابراهيم الجعفري©2010 - 2026
استضافة وتصميم وبرمجة ويب اكاديمي

Powered by web academy