|
|
|
كلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ رئيس التحالف الوطنيّ العراقيّ خلال لقائه حشدا جماهيريا في قضاء الزبير بمحافظة البصرة
الاخبار | 21-02-2014
الجعفريّ: عُرِف العراق منذ أكثر من ألف سنة بأنه منطقة التعايش بين المُجتمَعات المُتنوِّعة حين التقت هنا في العراق خلفيات دينية مُتنوِّعة، وخلفيات مذهبية مُتنوِّعة، وخلفيات قومية مُتنوِّعة، ولم يضِق صدر العراق الحبيب ذرعاً بأحد، بل إنك تجد في السوق العراقيِّة، وفي المصنع العراقيِّ، والمدرسة العراقية، والمستشفى العراقية، والجامع العراقيّ، والجامعة العراقية الآخر يعيش، ويأتلف، ويتعامل مع الآخر حتى وصل حدُّ التفاعل إلى المُصاهَرة بين أبناء شعبنا الحبيب.. الجعفريّ: أعداء العراق أدركوا أنَّ هذه الثروات الكامنة في العراق إذا ما شقّت طريقها إلى الاستثمار، والبناء سيكون العراق في صدارة دول العالم، وهذا ما يقضُّ مضجعهم، ويُؤرِّقهم، عراق يمتلك ثورت نفطية مُتميِّزة في كمِّه، ونوعه، وفي عمره الزمنيِّ.. الجعفريّ: لا يروق لأعدائنا أن يجدوا العراق يعتمد على ثرواته، ويُفجِّر إمكاناته حتى يتسنّم موقعه إلى الشمس؛ لذا تُحاول أيدي السوء أن تمتدَّ لتختطف هذه الثروات، وتُشيع ثقافة الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، لكنَّ شعبنا لهم بالمرصاد، فهو لا يُريد السوء لأحد.. الجعفريّ: لا يكفي أن يكون لنا تاريخ، ولا يكفي أن تكون لدينا ثروات مُتعدِّدة من دون أن نُحوِّل ذلك التاريخ إلى حاضر، ونُحوِّل الثروة من أرض غنيّة، ومن حكومة غنيّة إلى شعب غنيّ، كذلك ينبغي أن نُجيد فنَّ تحويل الثروة من الأرض إلى ساكنيها، ومن الحكومة ومن مصادرها المختلفة إلى الشعب، والعراق الذي كان غنياً لابدَّ أن يُواصِل غناه حاضراً، ثم يعبر إلى المُستقبَل، وعلينا أن نُحوِّل هذه الثروات إلى ثروة مُعاصِرة تتمتّع بها الأجيال اللاحقة.. الجعفريّ: لا يكفي أن نُوجِّه خطاباً، أو نُنظِّر، أو نكتب كتاباً لطريقة التوافُق بين السُنّة والشيعة إنما نحن بحاجة إلى الأسرة التي تجمع بين السُنّة والشيعة، ونحتاج إلى مدينة تحتضن السُنّة والشيعة، ونحتاج إلى القبائل العربية الكريمة التي تعكس لنا من خلال لوحة أفرادها التعايش بين السُنّة والشيعة في الوقت الذي عندما ظهر علينا فصل الربيع العربيّ في الدول العربية وسرعان ما افترسته أيادي السوء، وعبثت به، وأشاعت ثقافة الفرقة، وطالت يد الإرهاب والتوجُّهات المُتطرِّفة لتحلَّ هتك الكرامة، وهدر الدم في الوقت الذي يعيش العراقيون منذ سقوط النظام المقبور إلى يومنا هذا حالة من التعايش، والانسجام، والمَحبّة، والأخوَّة.. الجعفريّ: المُحسِن أرقى من العادل، فالعدل أن تأخذ حقك، وتعطي الآخرين حقوقهم، أمّا الإحسان فأن تكتفي بأقلَّ من حقك، وتُعطي الآخرين أكثر من حقّك؛ عندئذٍ تكون مُحسِناً، هذه تربية القرآن الكريم.. الجعفريّ: المواسم الانتخابية من عادات الأمم والشعوب الحيّة، وفي أمتنا تجعلها في حالة انعطاف نحو الصعود، عندما نجعل مصلحة البلد فوق كلِّ مصالحنا، وعندما نضع الفقراء أمام أعيننا، وعندما نُحارب الفقر. وعلي بن أبي طالب -عليه السلام- حارَبَ الفقر، ولم يُحارب الغنى: (لو كان الفقر رجلاً لقتلتُه)، و(يكاد الفقر أن يكون كفراً). يجب أن نُعادِي الفقر، ويجب أن نهزم علامات الحزن والكآبة التي تُخيِّم على أبنائنا، وبناتنا، وإخواننا وأعزّائنا في كلِّ محافظة من محافظات العراق.. الجعفريّ: لا يكفي أن يكون لنا تاريخ عابق بالإنجازات، ولا يكفي أن يكون لنا تاريخ نُمجِّد به، وتاريخ جيِّد، وسامق، بل علينا أن نُحوِّل هذا التاريخ إلى حاضر جيِّد ومُستقبَل جيِّد عندما نُحسِن تحويل الثروة من تاريخ العراق إلى حاضر العراق، إلى مُستقبَل العراق سنجد أنَّ أبناءنا وبناتنا يستلهمون مصادر قُوّة البلد.. الجعفريّ: لا ينبغي أن نترك الزبير، والمناطق الأخرى تُعاني من نقص في المدارس، ومثلما يُشكّل التعليم والتربية حقلاً أساسياً في بناء الحياة تُشكّل المستشفى والخدمات الطبية حقلاً أساسياً وضرورياً في حفظ الحياة، وكما ورد في مضمون الحديث: كلُّ أهل بلد ليس لهم طبيب ماهر، ونحويّ، وفلكيّ وقاضٍ عادل يتحوّلون إلى هَمَج رُعاع؛ لذا فالخدمات الطبية تعكس لنا مدى نظرة الدولة للإنسان بخاصة وهو في حالة استثنائية وهي المرض.. الجعفريّ: العراق اليوم في تراجُع في الحقل الزراعيّ، والدول المُجاورة لنا كانت صحارى إلى وقت ليس بعيداً، واعتمدت مشاريع التنخيل، وامتدّت الخُضرة فيها على الأراضي، فتقلّصت الصحارى، وامتدّت، والعراق كان يُسمَّى (أرض السواد)، وليس فقط في الكم الزراعيّ إنما في النوع الزراعيِّ، فالنخيل في تراجُع، وقد ضربته بعض الأمراض.. الجعفريّ: البصرة قابلة لأن تمتدَّ، وتنتشر، لكنها في حاجة إلى خُطط تنموية في الحقل الزراعيِّ توفر لها مناخات الزراعة، وشرود الإنبات، والبذور، والأسمدة، والمكننة؛ حتى ترتقي على سُلّم الإنتاج الزراعيّ، مثلما مطلوب أن يرتقي على سُلّم الإنتاج الصناعيّ وما شاكل ذلك، والسياحة في العراق فإذا كان النفط ينفد على المدى البعيد، أو يتناقص فإنَّ السياحة والزوار والوافدين إلى العراق يتقاطرون بشكل أكثر وأكبر فإنَّ السياحة ثروة مُتصاعِدة حين الاستثمار.. الجعفريّ: السياحة في بلدنا لم تخضع لخُطط تنموية؛ حتى تُؤتي ثمارها، وتُضاف إلى الثروات الأخرى، كلُّ هذه الثروات تتوقّف أولاً على برامج عمل، وتحتاج إلى شخصيات تنذر نفسها، وتعمل بدأب مُتواصِل من مختلف الاختصاصات.. الجعفريّ: نحن كأمّة حيّة في الوقت الذي نُؤكِّد على وحدة العراق، وسيادته، ووحدة شعبه، وقواه الأمنية لابدَّ أن نُركِّز على ازدهار هذه المُدُن، وليس كثيراً على البصرة أن تتمتع بحقوقها التي لها مثل هذا التاريخ العريق: (مدارس فكر، وأدب، وشعر، وبلاغة).. الجعفريّ: التنافس القرآنيّ يتطلّع فيه أحدهم لأن يكون الرقم المُتقدِّم على الآخرين من دون أن يُحدِث به الضرر، هذا هو التنافس القرآنيّ، ومن دون أن يعمل على تشويه صورة الآخر، ومن دون أن ينفخ بنفسه فكراً يبدو أكبر حجماً، وهو ليس كبراً حقيقياً إنما هو كبر زائف هذا ليس تنافساً قرآنياً. التنافس القرآنيّ ((خِتَاْمُهَاْ مِسْكٌ وَفِيْ ذَلِكَ فَلْيَتَنَاْفَسِ الْمُتَنَاْفِسُوْنَ)).. الجعفريّ: ساحة الانتخابات ساحة يتبارى فيها أصحاب الكفاءات، والقدرات، والقابليات، وكلّهم أبناؤنا وبناتنا من أيِّ قائمة كانوا، ومن أيِّ خلفية كانوا، ومن أيِّ طائفة كانوا، ومن أيِّ قومية كانوا، ومن أيِّ قوة سياسية كانوا.. الجعفريّ: التحدّيات في العراق صارمة، لا نستطيع نحن أن نُخفّف من حِدّتها، لكنّا نستطيع أن نتقدَّم بدروع عراقية وطنية تذود، وتسترخص كلَّ شيء من أجل كرامة العراق.. الجعفريّ: ولّى ذلك الزمان الذي يختزل فيه العراق بشخصية واحدة، أو حزب واحد، أو مجموعة مُعيَّنة إنما العراق كلّه للعراقيين كلِّهم، وليست لدينا أداة إلّا الانتخابات، وحالة التمويج الموسميِّ بين فترة وأخرى، يتقدّم فصيل من المُرشَّحين والمُرشَّحات، فيعرضوا قابلياتهم، وكفاءاتهم على أبناء شعبهم؛ حتى يختاروا مَن يرونه الأفضل، ولا يزعم أحد عدم حدوث اشتباهات، أو أخطاء في التقدير لكنَّ -بكلِّ تاكيد- ستتقلّص الأخطاء بمرور الزمن إلى أن يعتلي مِنصّة المسؤولية في مختلف مفاصل الدولة الشريحة الأقوى، والأكفأ.. الجعفريّ: التعدُّد مظهر رائع، والإنسان غير مسؤول عن أن يكون من تميم، أو خزاعة، أو من شمر، أو من السعدون، أو أيِّ قبيلة أخرى؛ لأنَّ هذا جعل إلهيٌّ تكوينيٌّ، ولم يتدخّل فيه، لكنَّ الإنسان بقرار منه يستطيع أنت يكون صالحاً أو فاسداً، فيُجازى على صلاحه، ويُعاقَب على فساده.. الجعفريّ: إنَّ ما يحدث اليوم هو ثمرة الانحرافات الفكرية، وهو في العمق مسألة ثقافية، ثقافة انحراف تُؤدِّي بنا إلى ظواهر انحراف، وثقافة استقامة تُنشِئ لنا مُجتمَعاً صالحاً.. القرآن الكريم صريح: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) فلا تُفكِّروا لماذا أنتم مُختلِفون؛ لأنَّ الله جعلكم مُختلِفين، وثمرة الاختلاف هي لتعارفوا، الله سبحانه وتعالى جعل الاخر في كلِّ مكان، في المدرسة، في المُؤسَّسات.. تكون أكرم عند الله إذا كنتَ أكثر صدقاً، وأكثر أمانة، وأكثر تضحية، وأكثر إيثاراً، وأكثر سعياً في هزم الفقر، وإشاعة الطمأنينة في نفوس الناس.. الجعفريّ: أرجو أن يتحلّى أبناؤنا وإخواننا ورجالنا من أبناء القبائل بشجاعة مُحمَّدية وعَلَوية عندما يعتزّون ببناتهم، ويدفعون بهُنَّ لملء الفراغ في الدولة؛ حتى يُساهِمْنَ إلى جانب إخوانهنَّ في بناء الدولة؛ والقضاء على الفساد؛ فالفساد لا يزول بالخطابات، والأحاديث، وكتابة التقارير إنما يُهزَم عندما نبني ثقافة إصلاح للفاسد، وعندما نأتي بشخصيات ورجالات مُصِرّة على أن تبني أجهزة الدولة؛ حتى تتحوَّل هذه الثقافة، وتشيع في الأوساط.. الجعفريّ: المسؤولية في الانتخابات عندما يُقبِل موسمها علينا أن نتحلّى بوعي مُركّب: وعي الثروة العراقية فنحن لسنا شعباً فقيراً إنما نحن شعب غنيّ، بل مُتعدِّد المصادر نستثمر من الثروة النفط فقط، وبقية مصادرنا الاقتصادية واقفة على مُستوى الصناعة، والسياحة، والزراعة. فما بالكم لو حرَّكنا بقية المفاصل؟ سيتضاعف الإنتاج، وتزداد الثروة.. والوعي الآخر هو أن نتحلّى بعقلية وعي البرامج التي تُفيدنا، وتُسخِّر هذه الثروات، وتُساهِم في بناء البلد.. الجعفريّ: كلُّ العراق على أعتاب مرحلة جديدة، وليبدأ عدّاد الإنتاج في الصعود في كلِّ المجالات؛ لذا لا أفهم أنَّ إنساناً يعيش في بلد ابنه وبنته باع حياته في سبيل تحرير بلده، وهو يبيع صوته في مُقابل حفنة من الدنانير.. الجعفريّ: لا عذر لأحد اليوم، فلا حكومات تُفرَض إنما حكومات تأتي نتيجة الانتخابات، والمُقدّمات الصحيحة تُؤدّي إلى نتائج صحيحة، انتخب تأتِك النتيجة مُنسجِمة مع مَن انتخبتَ، ولا تقُل: إنَّ صوتي واحد لا أثر له، فهذا شط العرب مُكوَّن من التقاء رافدي دجلة والفرات، وهي قطرات ماء تجمّعت في أعالي الجبال سواء كان في تركيا، أو إيران، أو سورية، وتحوّلت إلى دجلة، والفرات كذلك الأصوات، فلا ينبغي أن نبيع الصوت، ولا ينبغي أن نُعطيه من موقع الغفلة، إنما يجب أن نُعطيه من موقع الوعي.. الجعفريّ: نحن -العراقيين- مسؤولون عمّا يجري بكلِّ تأكيد، وهناك فرق بين ما نعيشه الآن في العراق، وما كنا عليه سابقاً، كلّكم تُدرِكون جيِّداً كيف كان مُستوى الرواتب قبل سقوط النظام المقبور، وكيف كان لا يكفي لأبسط الطعام، ولا يسدُّ مُتطلَّبات نصف الشهر، ولا تُوجَد مِنَح، لكن عندما نُقارن بين ما لدينا من ثروات وبين الواقع المعاشيّ للمُواطِن فهو مايزال يعيش دون مُستوى الطموح.. الجعفريّ: أوصيكم بشيء ليس بعقد عاطفيٍّ مع قائمة، ولا بعقد عاطفيٍّ مع مُرشَّح مُعيَّن بأن تضعوا الأمانة في من يتحلّى بالكفاءة، والنزاهة، وأن يعيش بين أوساط الفقراء، ويعمل من أجلهم؛ وبذلك ندفع بالعملية السياسية إلى الأمام.. وإلى حضراتكم النص الكامل لخطاب الدكتور إبراهيم الجعفريّ رئيس التحالف الوطنيّ العراقيّ في مدينة الزبير بمحافظة البصرة 21/2/2014 بسم الله الرحمن الرحيم ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) [العنكبوت : 69] من الزبير، ومن مُحافظة البصرة ثغر العراق الباسم، وإطلالة العراق على منطقة الخليج، ومن ينبوع الثروات المُتعدِّدة التي قد لا تكون الأوسع أرضاً، والأكثر كثافةً، ولكنها -بكل تأكيد- الأغزر بالثروات الصناعية، والتجارية، والزراعية، وثروة النفط، وقبل هذا وذاك أبت مروءتها إلا أن تكون غزيرة في عطائها المعنويِّ إذ قدَّمت أبناءها وبناتها قرابين في ملحمة الفداء والمُواجَهة؛ لينالوا شرف الاستشهاد؛ فكان الشهيد عباس علي وكان أخوه، وكانت الشهيدة سعاد مُحمَّد عبدالكريم. اليوم قد جئتكم من عزاء للشهيد الرائد مصطفى، الشهيد هو ذات الشهيد، والملحمة هي ذات الملحمة، والمُواجَهة هي ذات المُواجَهة كلّهم يروونَ شجرة الحُرّية بدمائهم الزاكية سواء في مُواجَهة النظام الدكتاتوريّ الذي جثم على صدر العراق الحبيب في مرحلة ما قبل السقوط، والتي نيَّفت من عام 1968 حتى 2003، أو قاربت الأربعة عقود من الزمن، أو اليوم حيث يُداهِمنا الإرهاب بثقافة استباحية، بثقافة إقصائية، بثقافة طائفية لا تمتُّ إلى قِيَمِنا وديننا بصلة. إنهم يزعمون الارتباط بهذا المذهب أو ذاك المذهب، وهذه المذاهب بريئة منهم بكلِّ تأكيد، فقد عُرِف العراق منذ أكثر من ألف سنة بأنه منطقة التعايش بين المُجتمَعات المُتنوِّعة حين التقت هنا في العراق خلفيات دينية مُتنوِّعة، وخلفيات مذهبية مُتنوِّعة، وخلفيات قومية مُتنوِّعة، ولم يضِق صدر العراق الحبيب ذرعاً بأحد، بل إنك تجد في السوق العراقيِّة، وفي المصنع العراقيِّ، والمدرسة العراقية، والمستشفى العراقية، والجامع العراقيّ، والجامعة العراقية الآخر يعيش، ويأتلف، ويتعامل مع الآخر حتى وصل حدُّ التفاعل إلى المُصاهَرة بين أبناء شعبنا الحبيب غير أنَّ أعداء العراق أدركوا أنَّ هذه الثروات الكامنة في العراق إذا ما شقّت طريقها إلى الاستثمار، والبناء سيكون العراق في صدارة دول العالم، وهذا ما يقضُّ مضجعهم، ويُؤرِّقهم، عراق يمتلك ثورت نفطية مُتميِّزة في كمِّه، ونوعه، وفي عمره الزمنيِّ. العراق يمتلك ثروة الرافدين دجلة والفرات، وهنا في القرنة حيث يلتقي الرافدان، ونجد أنَّ الثروة الزراعية وصلت حدٍّ سُمِّي العراق بـ(أرض السواد)؛ لكثافة أشجاره، ونخيله، وحسناً عبَّر الشاعر المعريّ: وردنا ماء دجلة خير ماء وزُرنا أشرف الشجر النخيلا نخل العراق نخل يُطاول عنان السماء، ويأبى إلا أن يتميَّز بطول قامته، وتنوُّع تموره التي تجاوزت الـ 250 نوعاً، وقابلة للتكثير؛ فإنَّ تمر العراق عُرِف في أسواق العالم، والحقول الزراعية بأسمائه، وأنواعه بأنه تمر مُتميِّز مثلما عُرِف العراق أيضاً بثروته السياحية، وهو أرض الأنبياء، وأرض الأئمة الأطهار، وأرض المذاهب الإسلامية. كلّ شيء تقرأ عنه في بطون الكُتُب تجده في قمّة الحضارة، هنا على أرض العراق لا يروق لأعدائنا أن يجدوا العراق يعتمد على ثرواته، ويُفجِّر إمكاناته حتى يتسنّم موقعه إلى الشمس؛ لذا تُحاول أيدي السوء أن تمتدَّ لتختطف هذه الثروات، وتُشيع ثقافة الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، لكنَّ شعبنا لهم بالمرصاد، فهو لا يُريد السوء لأحد. العراقيُّ لا يمتدّ لأحد بسوء، لا دولة جوار، ولا ما بعد حوض الجوار؛ لذا عُرِف العراقيون مثلما عُرِفوا هنا في عمق التاريخ كذلك عُرِفوا في امتداد الجغرافية، أو في امتداد التاريخ أنَّ المسلة القانونية الجزائية، أول ما كانت هنا في العراق 1792-1752 قبل الميلاد. هنا في العراق عندما أشار سرجون الأكدي إلى بغداد، وقال عنها: (مَن يملك قُبّة العالم يتحكّم برياحها الأربعة)، ولم تكن اسمها في ذلك الحين بغداد. بغداد رمز للعراق، والبصرة بنحو خاصّ كانت قد اختزنت رموزاً في التاريخ، منهم من اشتهروا بالأدب كالأصمعيّ، وأبي الأسود الدؤليّ، ومُؤخَّراً بدر شاكر السياب، ومنهم من اشتهروا بالكلام، والفلسفة، والحديث، والنحو، ومدارس الفقه حتى إنك عندما تقرأ عن تاريخ البصرة تجد أنها زاخرة بأنواع العطاءات، وكذلك امتدَّ العراقيون جغرافياً في مختلف مناطق العالم فأمّوا دول الجوار، ودولاً أخرى باختصاصاتهم، وعُرِفوا أينما حلّوا، وارتحلوا بإمكاناتهم المُتنوِّعة، وحلّت مع حلولهم قدرات علمية مُتميِّزة. لا يكفي أن يكون لنا تاريخ، ولا يكفي أن تكون لدينا ثروات مُتعدِّدة من دون أن نُحوِّل ذلك التاريخ إلى حاضر، ونُحوِّل الثروة من أرض غنيّة، ومن حكومة غنيّة إلى شعب غنيّ، كذلك ينبغي أن نُجيد فنَّ تحويل الثروة من الأرض إلى ساكنيها، ومن الحكومة ومن مصادرها المختلفة إلى الشعب، والعراق الذي كان غنياً لابدَّ أن يُواصِل غناه حاضراً، ثم يعبر إلى المُستقبَل، وعلينا أن نُحوِّل هذه الثروات إلى ثروة مُعاصِرة تتمتّع بها الأجيال اللاحقة. الزبير منطقة عُرِفت في التاريخ، وكُتِب عنها الكثير، فلا ننسى الزبير وموانئها، خور الزبير، ومدخل سفوان، وأتذكّر عام 2004 عندما اتجه الحجيج بألوفهم المُؤلَّفه يوم تهدَّد مطار بغداد بعد التنسيق مع حكومة الكويت التي فتحت مطارها، وجاءت الحشود من مختلف مناطق العراق بحوالى 18.500 حاجّ، ثم تمَّ العدد مجموعاً 43.800 مُواطِن عراقيّ من أقصى منطقة في كردستان إلى الجنوب، فأبت سفوان إلا أن تُعبِّر عن حجمها الصغير، وعن قلبها وعقلها الكبيرين حين احتضنت كلَّ العراقيين، وسُجِّل هذا الموقف في تاريخ العراق. الزبير تعكس لك من خلال باقة ورودها المُجتمعية المُتنوِّعة أنها جمعت بين أبناء المذاهب، ونحن في أمسِّ الحاجة لأن نُقدِّم نموذجنا كيف يعيش أبناء الشعب الواحد، وكيف يتكامل السُنّة والشيعة. لا يكفي أن نُوجِّه خطاباً، أو نُنظِّر، أو نكتب كتاباً لطريقة التوافُق بين السُنّة والشيعة إنما نحن بحاجة إلى الأسرة التي تجمع بين السُنّة والشيعة، ونحتاج إلى مدينة تحتضن السُنّة والشيعة، ونحتاج إلى القبائل العربية الكريمة التي تعكس لنا من خلال لوحة أفرادها التعايش بين السُنّة والشيعة في الوقت الذي عندما ظهر علينا فصل الربيع العربيّ في الدول العربية وسرعان ما افترسته أيادي السوء، وعبثت به، وأشاعت ثقافة الفرقة، وطالت يد الإرهاب والتوجُّهات المُتطرِّفة لتحلَّ هتك الكرامة، وهدر الدم في الوقت الذي يعيش العراقيون منذ سقوط النظام المقبور إلى يومنا هذا حالة من التعايش، والانسجام، والمَحبّة، والأخوَّة. العالم بحاجة لأن يستلهم التجربة في العراق. كيف يعيش العراقيون وحدتهم، وأخوّتهم وهم يتجهون في سُبُل الله المُتعدِّدة. إنما اخترتُ هذه الآية الشريفة من سورة العنكبوت: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) جاءت في سياق صدر السورة: (({أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)) [العنكبوت 2 - 3] ثم يأتي هذا الجواب ليُشير في صدر السورة: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) المُحسِن أرقى من العادل، فالعدل أن تأخذ حقك، وتعطي الآخرين حقوقهم، أمّا الإحسان فأن تكتفي بأقلَّ من حقك، وتُعطي الآخرين أكثر من حقّك؛ عندئذٍ تكون مُحسِناً، هذه تربية القرآن الكريم. في الآية الكريمة وعد، وإنّ التوكيدية، ولام التوكيد مع المعّيّة تُشيع أننا عندما نتعامل مع الناس لا ينبغي أن نتعدّى على حقوقهم، إنما نُنصِفهم أولاً، ونعدل بينهم، بل نُحسن إليهم، وتحدَّثت بلغة السُبُل، ولم تقُل سبيلنا؛ حتى يعرف المُسلِمون أنَّ تعدُّد السُبُل ليس ضعفاً؛ لأنَّ السُبُل إلى الله بأنفاس الخلائق. المواسم الانتخابية من عادات الأمم والشعوب الحيّة، وفي أمتنا تجعلها في حالة انعطاف نحو الصعود، عندما نجعل مصلحة البلد فوق كلِّ مصالحنا، وعندما نضع الفقراء أمام أعيننا، وعندما نُحارب الفقر. وعلي بن أبي طالب -عليه السلام- حارَبَ الفقر، ولم يُحارب الغنى: (لو كان الفقر رجلاً لقتلتُه)، و(يكاد الفقر أن يكون كفراً). يجب أن نُعادِي الفقر، ويجب أن نهزم علامات الحزن والكآبة التي تُخيِّم على أبنائنا، وبناتنا، وإخواننا وأعزّائنا في كلِّ محافظة من محافظات العراق. لقد أعطانا الله -تبارك وتعالى- هذه الثروات المُتعدِّدة، والعراق مُؤهَّل لأن يرتقي على سُلّم التطوُّر، ويحتلَّ موقعه. لا يكفي أن يكون لنا تاريخ عابق بالإنجازات، ولا يكفي أن يكون لنا تاريخ نُمجِّد به، وتاريخ جيِّد، وسامق، بل علينا أن نُحوِّل هذا التاريخ إلى حاضر جيِّد ومُستقبَل جيِّد عندما نُحسِن تحويل الثروة من تاريخ العراق إلى حاضر العراق، إلى مُستقبَل العراق سنجد أنَّ أبناءنا وبناتنا يستلهمون مصادر قُوّة البلد. بماذا يُقاس البلد القويّ؟ يُقاس بموارد المعرفة، والإعلام، والعلم، المدارس التي لم تعُد أمراً كمالياً، فالمدرسة معلم للثالوث الذي يبني المُجتمَع: (المُعطي العلميّ، والمُتلقّي العلميّ، والوسيط العلميّ)، ولو سألنا في أيِّ بلد من البلدان سنجد جُلَّ اهتمامهم بمدارس العلم، ونجد انفتاحهم على الثروة العلمية كما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (اطلب العلم من المهد إلى اللحد)، أي من أول مسيرتك في الحياة، من عدّادك الزمنيّ الذي يبدأ بالمهد، ولا ينتهي إلا وأنت تُشارِف على الارتحال إلى الله، ألم يقُل رسول الله: (اطلب العلم ولو في الصين) في الأقصى الجغرافيّ. ألم يقُل الله -تبارك وتعالى- في كتابه العزيز: ((وَفَوْقَ كُلِّ ذي عِلْمٍ عَلِيْمٌ)) المدارس في مختلف مراحلها الابتدائية المتوسطة الثانوية والجامعات كلّها معالم للثروة العلمية. العلم يبني، العلم يُعمِّق الإيمان: ((إِنَّمَاْ يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَاْدِهِ الْعُلَمَاْءُ)) ليست مُشكِلتنا مع العلماء إنما مع الجهلاء، العالِم في منظومتنا الفكرية، وفي أخلاقنا، وفي عقيدتنا موضع احترام وتقدير، نحن أمّة لم نُحارِب العلم والعلماء، وما ابتُلِينا كما ابتُلِي في القرن الخامس عشر والسادس عشر عندما قُتِل غاليلو 1516 والآلاف من العلماء لا لشيء إلا لأنهم اكتشفوا ما يُخالِف ما تعتقد به الكنيسة. لا ينبغي أن نترك الزبير، والمناطق الأخرى تُعاني من نقص في المدارس، ومثلما يُشكّل التعليم والتربية حقلاً أساسياً في بناء الحياة تُشكّل المستشفى والخدمات الطبية حقلاً أساسياً وضرورياً في حفظ الحياة، وكما ورد في مضمون الحديث: كلُّ أهل بلد ليس لهم طبيب ماهر، ونحويّ، وفلكيّ وقاضٍ عادل يتحوّلون إلى هَمَج رُعاع؛ لذا فالخدمات الطبية تعكس لنا مدى نظرة الدولة للإنسان بخاصة وهو في حالة استثنائية وهي المرض. العراق كان سابقاً في مرحلة ما قبل السقوط، بل ما قبل الحصار في التسعينيات بلداً مُتقدِّماً، والأطباء العراقيون في الخارج موضع احترام كلِّ دول العالم؛ لأنهم عُرِفوا بمهارتهم، ومُستوياتهم العلمية، وأينما يذهبوا فهم موضع احترام المواطنين والحكومات، وهناك أعداد كبيرة بالآلاف من الأطباء والطبيبات من العراقيين موجودون في دول العالم المختلفة، والعراق في أمسِّ الحاجة لهم. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار الاستحقاقات التي ترتَّبت على ثلاثة حروب في العراق: (حروب الخليج الأولى، والثانية، والثالثة)، وما استُخدِمت فيها من أسلحة مُختلِفة رُبَّما كان فيها بعض الإشعاعات والموادِّ الكيمياوية أنشأت لنا بعض الانحرافات الجينية، وبعض الولادات التي تحمل تُشوُّهات ولادية ولعل حصة البصرة ليست قليلة. كلُّ هذه وغيرها تتطلّب خُططاً لمُواجَهة هذه المشاكل، والمِحَن التي يُواجِهها العراقيون. ليس فقط في القطاع التعليميِّ، والقطاع الطبيِّ، فالعراق اليوم في تراجُع في الحقل الزراعيّ، والدول المُجاورة لنا كانت صحارى إلى وقت ليس بعيداً، واعتمدت مشاريع التنخيل، وامتدّت الخُضرة فيها على الأراضي، فتقلّصت الصحارى، وامتدّت، والعراق كان يُسمَّى (أرض السواد)، وليس فقط في الكم الزراعيّ إنما في النوع الزراعيِّ، فالنخيل في تراجُع، وقد ضربته بعض الأمراض مثل دودة الدوباس، وحاولت تدمير هذه الثورة التاريخية، إلى الأمس القريب كان العراق يمتلك 75 مليون نخلة، كما تراجعت الحمضيات وأنواع الفاكهة في كربلاء، وديالى، والمناطق الأخرى التي تُعتبَر سلّة العراق. البصرة قابلة لأن تمتدَّ، وتنتشر، لكنها في حاجة إلى خُطط تنموية في الحقل الزراعيِّ توفر لها مناخات الزراعة، وشرود الإنبات، والبذور، والأسمدة، والمكننة؛ حتى ترتقي على سُلّم الإنتاج الزراعيّ، مثلما مطلوب أن يرتقي على سُلّم الإنتاج الصناعيّ وما شاكل ذلك، والسياحة في العراق فإذا كان النفط ينفد على المدى البعيد، أو يتناقص فإنَّ السياحة والزوار والوافدين إلى العراق يتقاطرون بشكل أكثر وأكبر فإنَّ السياحة ثروة مُتصاعِدة حين الاستثمار. السياحة في بلدنا لم تخضع لخُطط تنموية؛ حتى تُؤتي ثمارها، وتُضاف إلى الثروات الأخرى، كلُّ هذه الثروات تتوقّف أولاً على برامج عمل، وتحتاج إلى شخصيات تنذر نفسها، وتعمل بدأب مُتواصِل من مختلف الاختصاصات. أمّا البرامج فتُطالِعنا عادة في مواسم الانتخابات إن لم تكن مُتطابِقة، فمُتقاربة إلى حدِّ كبير، لكنها وحدها لا تُحوِّل الأرض من أرض ميّتة إلى أرض حيّة، إنما تحتاج إلى المفصل الأساسيّ، وهو الشخصيات المُتصدِّية من النساء والرجال في مختلف مرافق الدولة سواء كان في السلطة التشريعية، أو السلطة التنفيذية؛ حتى يُحوِّلوا هذه البرامج إلى فعل على الأرض. لا يُوجَد برنامج مهما بلغ من درجة الكمال أن يتفعّل وحده ما لم تكُن هناك شخصيات مُتصدِّية؛ اليوم العصر عصر اختصاصات، وهذا مبدأ قرآنيّ: ((فَاسْأَلُوْا أَهْلَ الْذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَاْ تَعْلَمُوْنَ)) وليست هذه وحسب أنا أدرك أنَّ سبب التحدِّيات التي يُواجِهها أهالي الزبير الكرام تجعلهم يتطلّعون لأن تكون الزبير محافظة، وهذا طلب مشروع، ولكن لو سألنا: لماذا هذا الطلب؟ لأنهم يشعرون أنَّ الحقوق التي ينبغي أن يتمتعوا بها لم تتحقق بعد، فهناك دول في العالم كانت تركض وراء دول تُريد أن تنتمي إليها؛ لأنها تُريد أن تعالج خللها الاقتصاديَّ كما كانت تركيا تُهرول نحو الاتحاد الأوروبيّ، وتُريد أن تنضمَّ إلى الاتحاد الأوروبيّ؛ لأنها دولة مُنتِجة ليست نفطية، ولكنَّ الدول الأوروبيّة أغلقت الباب بوجه تركيا، ولم تقبلها، وتركيا أرادت أن تتخلّص من العجز، ورُبَّما الخلل في وضعها الاقتصاديِّ، كما أرادت أن تتخلّص من الهيمنة والعسكرة التركية على دولة تركيا، واعتمدت على نفسها، واستطاعت أن تخطو خطوات جيِّدة، وتنمو، وتتطوَّر. نحن كأمّة حيّة في الوقت الذي نُؤكِّد على وحدة العراق، وسيادته، ووحدة شعبه، وقواه الأمنية لابدَّ أن نُركِّز على ازدهار هذه المُدُن، وليس كثيراً على البصرة أن تتمتع بحقوقها التي لها مثل هذا التاريخ العريق: (مدارس فكر، وأدب، وشعر، وبلاغة). البصرة التي قدَّمت سيلاً كبيراً من الشهداء، واستطاعت أن تُقدِّم لوحات رائعة في المجال الإنسانيِّ، والحضاريِّ، والتاريخيِّ، والعلميِّ ليس كثيراً عليها أن تتمتع بمكانة مرموقة، وتحتلَّ موقعها بين المُدُن الأخرى؛ لذا علينا أن ننظر بعين الجدِّ من خلال البرامج التي تتقدَّم، ومن خلال الشخصيات التي تتسابق، وليكن التسابق تسابقاً قرآنياً: ((خِتَاْمُهَاْ مِسْكٌ وَفِيْ ذَلِكَ فَلْيَتَنَاْفَسِ الْمُتَنَاْفِسُوْنَ)) التنافس القرآنيّ يتطلّع فيه أحدهم لأن يكون الرقم المُتقدِّم على الآخرين من دون أن يُحدِث به الضرر، هذا هو التنافس القرآنيّ، ومن دون أن يعمل على تشويه صورة الآخر، ومن دون أن ينفخ بنفسه فكراً يبدو أكبر حجماً، وهو ليس كبراً حقيقياً إنما هو كبر زائف هذا ليس تنافساً قرآنياً. التنافس القرآنيّ ((خِتَاْمُهَاْ مِسْكٌ وَفِيْ ذَلِكَ فَلْيَتَنَاْفَسِ الْمُتَنَاْفِسُوْنَ)). ساحة الانتخابات ساحة يتبارى فيها أصحاب الكفاءات، والقدرات، والقابليات، وكلّهم أبناؤنا وبناتنا من أيِّ قائمة كانوا، ومن أيِّ خلفية كانوا، ومن أيِّ طائفة كانوا، ومن أيِّ قومية كانوا، ومن أيِّ قوة سياسية كانوا. حيّى الله الكفوء والكفوءة تماماً كما نُحيّي المهندس الكفوء في المعمل سُنياً كان أو شيعياً، عربيا أو كردياً أو تركمانياً كما نُحيّي المعلم الكفوء في كلِّ مدرسة من أيِّ قومية، أو مذهب، أو دين، أو من أيِّ قوة سياسية كما نُحيّي الطبيب في المُستشفى من أيِّ قومية كان، ومن أيِّ مذهب كان، ومن أيِّ طائفة سياسية كان. حتى نُوجِد الشخصية العراقية المُختصّة التي تُعطي للاختصاص حقه، وتنهض بالمهمة على أحسن ما يكون علينا أن نبحث عن الكفاءة، والقدرة، والقابلية، والأمانة، والنزاهة، ولا يزعم أحد أنَّ كلَّ قائمته أكفاء، وأنَّ الآخرين في القوائم الأخرى ليسوا أصحاب كفاءة إنما ننفتح على كلِّ الكفاءات من أيِّ قائمة كانوا، وننفتح على كلِّ الكفاءات، وأصحاب النزاهة من أيِّ قائمة كانوا، ونُحيِّيهم، ونُحمِّلهم المسؤولية، ونتعاون معهم من أجل بناء العراق الجديد؛ حتى نعبر من حالة التفرُّد إلى حالة العمل الجماعيِّ المُتناسِق. كلُّ الثروات في العراق تنتظر أصحاب الكفاءات، أصحاب السواعد الكبيرة بأن يبنوا العراق بناءً قوياً. التحدّيات في العراق صارمة، لا نستطيع نحن أن نُخفّف من حِدّتها، لكنّا نستطيع أن نتقدَّم بدروع عراقية وطنية تذود، وتسترخص كلَّ شيء من أجل كرامة العراق. الشهيد رائد مصطفى من الزبير أين استشهد؟ استشهد في مُجتمَعيّة ليست بصريّة، لكنها مُجتمَعية عراقيّة؛ دفاعاً عن كرامة العراق، وشعب العراق، وإيماناً منه بأنَّ السيادة لا تتجزَّأ، والأرض لا تتجزّأ، والشعب لا يتجزَّأ. هذا رافد، وصوت يبقى يُدوِّي في مُستقبَل العراق، كما دوَّت الأصوات في تاريخ العراق، ومن أرضكم الشهيدة سعاد مُحمَّد عبدالكريم امرأة ناضلت، وجاهدت، ولم تدّخر وسعاً في أن تُعطي دمها، وتُعير جمجمتها في سبيل الله، وفي سبيل أن يسقط الطاغوت. هذا هو التاريخ. نحن اليوم نعيش نتاجات الشهداء، ولا ينبغي أن يُبارح خاطرنا، ولا يخرج من ذاكرتنا عطاء الشهيد. الشهيد قدَّم في الماضي، ويُقدِّم اليوم، ويبقى صمام الأمان؛ لحفظ المسيرة على طريق الوطن، أو على طريق إسداء الخدمات، وتطبيق القانون، وإشاعة العدل.. ولّى ذلك الزمان الذي يختزل فيه العراق بشخصية واحدة، أو حزب واحد، أو مجموعة مُعيَّنة إنما العراق كلّه للعراقيين كلِّهم، وليست لدينا أداة إلّا الانتخابات، وحالة التمويج الموسميِّ بين فترة وأخرى، يتقدّم فصيل من المُرشَّحين والمُرشَّحات، فيعرضوا قابلياتهم، وكفاءاتهم على أبناء شعبهم؛ حتى يختاروا مَن يرونه الأفضل، ولا يزعم أحد عدم حدوث اشتباهات، أو أخطاء في التقدير لكنَّ -بكلِّ تاكيد- ستتقلّص الأخطاء بمرور الزمن إلى أن يعتلي مِنصّة المسؤولية في مختلف مفاصل الدولة الشريحة الأقوى، والأكفأ. كلما أمعِن النظر في تجربة الزبير ومُجتمَع الزبير أجد أمامي هذه الصفحات مُشرِقة، الزبير بتاريخها، بزراعتها، بصناعتها، بتجارتها، بنفطها، وثروتها المعنوية من الشهداء أجد أنّي أمام مدينة غنيّة، ومَن يقرأ عنها سيجد أنها ليست فقط منفذاً اقتصادياً فقط، فهي كجزء من البصرة منفذ حضاريٌّ، ومنفذ ثقافيّ. وأخيراً أريد أن أثبّت أنَّ هذا التعايش العشائريَّ بين أبناء قبائل الزبير هو الآخر مبعث إلى كلِّ أبناء القبائل لأن يتعايشوا جميعاً كأبناء للوطن الواحد.. الكثير يتصوَّرون أنَّ النزعة القبلية عقبة في طريق التطوُّر هكذا ذهبت بعض الحركات اليسارية حين نظرت إلى القبيلة، والبعض الآخر حوَّلها إلى صراع قَبَليّ وكأنه أراد أن يجعل القبيلة بديلة عن الدولة المدنية أمّا نحن في تراثنا وتاريخنا ومن وحي القرآن الكريم فالقبيلة: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات : 13] هذه الآية القرآنية الكريمة نسفت كلّ تلك الأشياء التي تجعل من المُجتمَع المُتعدِّد والمُتنوِّع هو الضعف، وجعلته نقطة قوة. ((إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى)) لا تُوجَد ذكورية، ولا فحولية، ولا يُوجَد إقصاء للمرأة إنما يُوجَد تكامُل، فلا يُمكِن أن نتصوَّر إنساناً لم يأتِ من امرأة ورجل سوى النبيّ عيسى -عليه السلام- الذي جاء بمُعجِزة. التعدُّد مظهر رائع، والإنسان غير مسؤول عن أن يكون من تميم، أو خزاعة، أو من شمر، أو من السعدون، أو أيِّ قبيلة أخرى؛ لأنَّ هذا جعل إلهيٌّ تكوينيٌّ، ولم يتدخّل فيه، لكنَّ الإنسان بقرار منه يستطيع أنت يكون صالحاً أو فاسداً، فيُجازى على صلاحه، ويُعاقَب على فساده. فعلى أيِّ شيء هذا التناحُر؟ نعم.. نحن نعتزُّ باللغة العربية ليس من منطق شوفينيّ، ولا من منطق عنصريّ إنما من منطق أنَّ اللغة العربية نزل بها القرآن الكريم، وأنَّ العربية لغة أهل الجنة، وإنا نُصلّي باللغة العربية. العرب اليوم أقلّية في العالم الإسلامي حوالى 20% من مليار ونصف في كلِّ العالم، وأندونيسيا وماليزيا تُعادلان كلَّ العالم العربيِّ، لكنَّ الأذان باللغة العربية، وكذا الصلاة، والفقه، والروايات عن رسول الله وأئمة أهل البيت صلوات الله عليه. السِرُّ في الاختلاف نصّت عليه الآية القرآنية الكريمة: ((إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاْكُمْ شُعُوْبَاً وَقَبَاْئِلَ)) نحن لم نجعلكم قبيلة واحدة، ولا جعلناكم شعباً واحداً. لماذا؟ لتعارفوا. أمِنَ التعارُف أن يستبيح أحدهم دم الآخر؟ أمِنَ التعارُف أن يستبيح أحدنا عرض الآخر؟ أيُّ إسلام هذا الذي جاء تحت عنوان (جهاد النكاح)، وأيّ إسلام هذا الذي يستبيح روح الآخر بالقتل بأبشع صورة، وركل الرؤوس بالأقدام؟ والإسلام يُحرِّم عليك قتل الحيوان ما لم تنتفع من لحمه، وتستفيد من جلده، أو شعره، أو تتخلّص من خطره. إنَّ ما يحدث اليوم هو ثمرة الانحرافات الفكرية، وهو في العمق مسألة ثقافية، ثقافة انحراف تُؤدِّي بنا إلى ظواهر انحراف، وثقافة استقامة تُنشِئ لنا مُجتمَعاً صالحاً. القرآن الكريم صريح: ((ان اكرمكم عند الله اتقاكم)) فلا تُفكِّروا لماذا أنتم مُختلِفون؛ لأنَّ الله جعلكم مُختلِفين، وثمرة الاختلاف هي لتعارفوا، الله سبحانه وتعالى جعل الاخر في كلِّ مكان، في المدرسة، في المُؤسَّسات. تكون أكرم عند الله إذا كنتَ أكثر صدقاً، وأكثر أمانة، وأكثر تضحية، وأكثر إيثاراً، وأكثر سعياً في هزم الفقر، وإشاعة الطمأنينة في نفوس الناس. استطاع العراقيون -الحمد الله- أن يتجاوزوا الكثير من هذه المُفارَقات، وبكلِّ اعتزاز أسجِّل للقبائل العراقية حين تقدَّمت في مجال التعامُل مع المرأة تعامُلاً مقبولاً فاليوم 82 سيدة في البرلمان من بناتنا في البرلمان، وهنَّ من مختلف قبائل العراق، ولا تخجل إذا كانت عندك بنت إنما اخجل إذا كان عندك فاسد، سارق، قاتل. أرجو أن يتحلّى أبناؤنا وإخواننا ورجالنا من أبناء القبائل بشجاعة مُحمَّدية وعَلَوية عندما يعتزّون ببناتهم، ويدفعون بهُنَّ لملء الفراغ في الدولة؛ حتى يُساهِمْنَ إلى جانب إخوانهنَّ في بناء الدولة؛ والقضاء على الفساد؛ فالفساد لا يزول بالخطابات، والأحاديث، وكتابة التقارير إنما يُهزَم عندما نبني ثقافة إصلاح للفاسد، وعندما نأتي بشخصيات ورجالات مُصِرّة على أن تبني أجهزة الدولة؛ حتى تتحوَّل هذه الثقافة، وتشيع في الأوساط. المسؤولية في الانتخابات عندما يُقبِل موسمها علينا أن نتحلّى بوعي مُركّب: وعي الثروة العراقية فنحن لسنا شعباً فقيراً إنما نحن شعب غنيّ، بل مُتعدِّد المصادر نستثمر من الثروة النفط فقط، وبقية مصادرنا الاقتصادية واقفة على مُستوى الصناعة، والسياحة، والزراعة. فما بالكم لو حرَّكنا بقية المفاصل؟ سيتضاعف الإنتاج، وتزداد الثروة. والوعي الآخر هو أن نتحلّى بعقلية وعي البرامج التي تُفيدنا، وتُسخِّر هذه الثروات، وتُساهِم في بناء البلد. كلُّ العراق على أعتاب مرحلة جديدة، وليبدأ عدّاد الإنتاج في الصعود في كلِّ المجالات؛ لذا لا أفهم أنَّ إنساناً يعيش في بلد ابنه وبنته باع حياته في سبيل تحرير بلده، وهو يبيع صوته في مُقابل حفنة من الدنانير. لا عذر لأحد اليوم، فلا حكومات تُفرَض إنما حكومات تأتي نتيجة الانتخابات، والمُقدّمات الصحيحة تُؤدّي إلى نتائج صحيحة، انتخب تأتِك النتيجة مُنسجِمة مع مَن انتخبتَ، ولا تقُل: إنَّ صوتي واحد لا أثر له، فهذا شط العرب مُكوَّن من التقاء رافدي دجلة والفرات، وهي قطرات ماء تجمّعت في أعالي الجبال سواء كان في تركيا، أو إيران، أو سورية، وتحوّلت إلى دجلة، والفرات كذلك الأصوات، فلا ينبغي أن نبيع الصوت، ولا ينبغي أن نُعطيه من موقع الغفلة، إنما يجب أن نُعطيه من موقع الوعي. نحن -العراقيين- مسؤولون عمّا يجري بكلِّ تأكيد، وهناك فرق بين ما نعيشه الآن في العراق، وما كنا عليه سابقاً، كلّكم تُدرِكون جيِّداً كيف كان مُستوى الرواتب قبل سقوط النظام المقبور، وكيف كان لا يكفي لأبسط الطعام، ولا يسدُّ مُتطلَّبات نصف الشهر، ولا تُوجَد مِنَح، لكن عندما نُقارن بين ما لدينا من ثروات وبين الواقع المعاشيّ للمُواطِن فهو مايزال يعيش دون مُستوى الطموح؛ لذا أوصيكم بشيء ليس بعقد عاطفيٍّ مع قائمة، ولا بعقد عاطفيٍّ مع مُرشَّح مُعيَّن بأن تضعوا الأمانة في من يتحلّى بالكفاءة، والنزاهة، وأن يعيش بين أوساط الفقراء، ويعمل من أجلهم؛ وبذلك ندفع بالعملية السياسية إلى الأمام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ![]()
العودة إلى صفحة الأخبار |
|